محمد طاهر الكردي

445

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

قوله صلى اللّه عليه وسلم بعد قضاء نسكه . والمراد قبل طواف الوداع كما ذكرنا ، فإن طواف الوداع لا إقامة بعده ، ومتى أقام بعده خرج عن كونه طواف وداع فسماه قبله قاضيا لمناسكه . واللّه أعلم . قال القاضي عياض رحمه اللّه : في هذا الحديث حجة لمن منع المهاجر قبل الفتح من المقام بمكة بعد الفتح ، قال : وهو قول الجمهور ، وأجاز لهم جماعة بعد الفتح من الاتفاق على وجوب الهجرة عليهم قبل الفتح ، ووجوب سكنى المدينة لنصرة النبي صلى اللّه عليه وسلم ومواساتهم له بأنفسهم ، وأما غير المهاجر ومن آمن بعد ذلك فيجوز له سكنى أي بلد أراد سواء مكة وغيرها بالاتفاق ، هذا كلام القاضي . قوله صلى اللّه عليه وسلم : « مكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا » هكذا هو في أكثر النسخ ثلاثا وفي بعضها ثلاث ووجه المنصوب أن يقدر فيه محذوف أي مكثه المباح أن يمكث ثلاثا ، واللّه أعلم . انتهى من كتاب صحيح مسلم . نقول : إن كثيرا من الناس لا يعرفون حرمة إقامة المهاجرين ، رضي اللّه تعالى عنهم بمكة بعد انقضاء نسكهم أكثر من ثلاثة أيام لهذا كتبنا هذا المبحث ، والحكمة في ذلك ، واللّه تعالى أعلم ، هي أنهم لما هاجروا من مكة إلى المدينة حبا في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونصرته وخدمته وعدم مفارقته ، حرم عليهم الإقامة ببلدتهم الأصلية التي هاجروا منها ، وهي مكة ، أكثر من ثلاثة أيام بعد أداء نسكهم من حج أو عمرة . فإنهم إن أقاموا بها أكثر من الثلاث ، تباطئوا في الرجوع إلى المدينة وحنوا للإقامة بمسقط رأسهم ووطنهم الذي هاجروا منه للّه ولرسوله ، أما الثلاثة الأيام المرخص لهم بالإقامة في مدتها بعد انقضاء نسكهم ، فهي كافية لأداء حقوق أقاربهم وأصدقائهم وجيرانهم في زياراتهم والائتناس بهم . ولذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد اللهم وصححها وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل حمّاها فاجعلها بالجحفة » ، رواه البخاري ومسلم . والجحفة كان يسكنها اليهود . وقال عليه الصلاة والسلام : « اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم » . ومن هنا نرى أن جميع الصحابة ، رضي اللّه عنهم ، المهاجرين من مكة فقط لم يموتوا بها ، وإنما ماتوا بالمدينة أو بغيرها ، ما عدا سعد بن خولة ، فقد رثى له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن مات بمكة ، وسعد المذكور صحابي جليل ، وكان من مهاجرة